محمد جواد مغنية
120
التفسير الكاشف
الجبل عليكم ، فأذعنوا وتابوا ، فاستقر الجبل في مكانه ، ولكنهم عادوا إلى التمرد والعصيان . وإذا كان هذا شأن اليهود في عهد الكليم ( ع ) ، وقد شاهدوا عيانا ما شاهدوا من الخوارق ، ولا حجة أقوى وأبلغ من العيان ، فلا عجب - إذن - من يهود المدينة إذا أنكروا نبوة محمد ( ص ) ، ونقضوا العهد والميثاق المبرم بينه وبينهم ، انظر فقرة « محمد ويهود المدينة » عند تفسير آية : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ . ( فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ ) . أي لولا لطف اللَّه وتفضله بامهاله لكم لحل بكم العذاب في الدنيا قبل الآخرة ، قال الملا صدرا : « ان هذه الآية من أرجا الآيات ، وأقواها دلالة على رحمته وتجاوزه عن سيئات عباده العاصين ، لأن قوله : فلو لا فضل اللَّه عليكم بعد ان عدد قبائحهم من عبادة العجل ، وكفران النعيم ، وجحود الأنبياء وقتلهم ، ونقض الميثاق المؤكد ، وغير ذلك يدل على كمال رأفته وعفوه » . ثم نقل الملا صدرا عن القفال ما يتلخص بأن اللَّه سبحانه بعد أن رفع عنهم عذاب الجبل حرفوا التوراة ، وجاهروا بالمعاصي ، وخالفوا موسى ، ولقي منهم كل أذى ، وكان اللَّه سبحانه يجازيهم في الدنيا ، ليعتبروا ، حتى أنه خسف الأرض ببعضهم ، وأحرق بالنار آخرين ، وعوقبوا بالطاعون . . كل هذا ، وغير هذا منصوص عليه في توراتهم التي يقرون بها ، والتي هي الآن في متناول كل طالب وراغب . . ثم فعل الخلف ما فعل السلف من الجرائم ، فكفروا السيد المسيح ( ع ) ، وصمموا على قتله . . فغير عجيب انكارهم ما جاء به محمد ( ص ) ، وجحودهم لحقه . ( ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ) . لقد أمرهم اللَّه سبحانه بترك العمل يوم السبت ، وحرم عليهم صيد الأسماك فيه ، فكانت الحيتان تتجمع في هذا اليوم آمنة مطمئنة ، ولكن ثلاثة من اليهود احتالوا وتأوّلوا . . حيث حبسوا الحيتان يوم السبت وحصروها في مكان لا تستطيع تجاوزه ، وأخذوها يوم الأحد ، وقالوا : ان اللَّه نهى عن صيد الحيتان في هذا اليوم ، ولم ينه عن حبسها ، وفرق بعيد بين الحبس وبين الصيد .